www.tasneem-lb.net

أخلاق

أخلاق - ها هو اليتيم بعين الله |48|

ثقافتنا
ها هو اليتيم بعين الله
|48|

 

عروس الشام تفيق من نوم ليلتها، وهي متكئة على شواهق محاذية للبنان، أو مستلقية على جانبها بين مزارع التين، وأدغال المشمش والـزيـتـون والــرمان. 
دمشق كانت مطمح الرحلات التجارية، وبداية انطلاقاتها بما ضمت من السوق الكبير، ومشاهير التجار، بـهـذه المدينة وسـوقـهـا النافقة وبـأربـاحـهـا الطائلة الـتـي تجنى خلال أيام قلائل، يزول نصب الأسفار المتصلة الخطرة. ومن دمشق هذه تعاود القوافل الرجوع إلى ديارها، محملة بجديد المتاع، وزاكي الأرباح... لكن، ترى عمّ ستتمخض دمشق ركب خديجة؟ 
القافلة دخلت المدينة مع المساء، وألقت بباب السوق عصا الترحال، ثم استيقظت - على عادة العرب -بكرةً، وغدت إلى بردى لتتحمم بـبـارد مـائـه، الـذائـب مـن ثلوج الجبال، ثـم بسطت الأحمال  واستعدت لتستقبل من يرغب في الـشـراء، ركبهم لم يصل دمشق إلا بعد يومين من الوقت المعتاد؛ فاكتظت السوق بمثل عروضهم مما جاء بها غيرهم من تجار مكة.
والـتـأخـيـر يـعـود إلـى بـعـض الـركـب؛ فـقـد ألــمّ بهم بين بصرى ودمشق مغص شديد مـنـعـهـم مــن الــرحــلــة. فـلـمـا أحـــاط سـيدي بحالهم علمًا التفت إلي قائلاً: ترى، ماذا نفعل يا ميسرة؟!
قلت: سـوق دمشق خالية من سلعنا الآن، فلو وصلناها في أواننا المحدد كـل سنة، فستجد بضاعتنا من يطمح إليها من خيرة الـمـشـتـريـن، وإذا مـا تـأخـرنـا - ولـو لـيـوم واحــد - فسنخسر الـخـسـران المبين. إلا أن محمدًا لم تطاوعه نفسه أن يجشم هؤلاء المرضى عناء السفر؛ فاضطر بنا الأمر أن ننزل في قرية للعلاج؛ مما عاقنا يومين عـن الـمـنـافـسـيـن ثـــم... وصـلـنـا دمـشـق، وتـجـار مـكـة كـانـوا قـد بـاعـوا البضاعة، وبادروا إلى سلع الروم والشام ولبنان وفلسطين بالشراء»
غـدت الشمس تنتزع عن عـود المدينة بـرودة السحر، وتلتقط الـنـدى المتساقط على الأســوار، ومـداخـل البساتين؛ فيحين الأوان لتروج السوق، وتزداد الحركة ويشتد اللغط والضوضاء.
قال ميسرة، والقلق يساوره: سيدي، فيما سبق من الرحلات قايض ركبنا نفرًا من تجار دمشق، فهل لنا أن نعرض عليهم البضاعة؛ عل في ذلك مخرجًا؟! رد عليه محمد، وقد طافت عيناه الصافيتان بسكينة سماوية
افعل ما ترى فيه الصواب
انطلق ميسرة ومحمد صوب سوق المدينة المسقف، بعد أن استودعا غلمانهم المتاع. وأخيرًا، لم  يتمكن قفلنا أن يبيع إلا نصف سلعه؛ فانفرد بحمله دون القوافل التجارية.
يتبع..


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد