www.tasneem-lb.net

قرآن

قرآن - سورة طه: 39 |2|

نسائم قرآنية

قال تعالى
".. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي .." [سورة طه: 39]

|2|

لا شك في أنه لا تخفى ذرة عن علم الله في السماء ولا في الأرض، وكل شيء حاضر بين يديه، إلا أن هذا التعبير إشارة إلى العناية الخاصة التي أولاها الله سبحانه لموسى وتربيته.
 ومن المعلوم أن لهذه الجملة معنى واسعًا، تدخل فيه كل أنواع التربية والعناية، وصنع موسى (عليه السلام) من أجل حمل راية الرسالة مع عناية الله الخاصة. ويستفاد بوضوح من القرائن الموجودة في هذه الآيات، والآيات المشابهة لها في القرآن، ومما جاء في الروايات والتواريخ، أن أمّ موسى (عليه السلام) قد ألقت الصندوق الذي كان فيه موسى وهي في حالة من الخوف والقلق، وحملته أمواج النيل، وأخذ قلب أم موسى يخفق من مشاهدة هذا المنظر، إلا أن الله قد ألهم قلبها أن لا يدع للهم والحزن إليه طريقا، فهو سبحانه سيعيده إليها في النهاية سالما.
وكان قصر فرعون قد بني على جانب شط النيل، ويحتمل أن فرعا من هذا النهر العظيم كان يمر داخل قصره، فحملت أمواج المياه الصندوق إلى ذلك الفرع الصغير، وبينما كان فرعون وزوجته على حافة الماء ينظرون إلى الأمواج، وإذا بهذا الصندوق الغريب يلفت انتباههما، فأمر جنوده أن يخرجوا الصندوق من الماء، فلما فتحوا الصندوق شاهدوا بكامل العجب مولودا جميلا فيه، وهو شيء لم يكن بالحسبان.
وهنا تنبّه فرعون إلى أن هذا الوليد ينبغي أن يكون من بني إسرائيل، وإنما لاقي هذا المصير خوفًا من جلاوزته، فأمر بقتله، إلا أن زوجته - التي كانت عقيمًا - تعلقت جدا بالطفل، فقد نفذ النور الذي كان ينبعث من عيني الطفل إلى زوايا قلبها، وجذبها إليه، فضربت على يد فرعون وطلبت منه أن يصرف النظر عن قتله، وعبرت عن هذا الطفل بأنه قرة عين، بل وتمادت في طلبها، فطلبت منه أن يتخذاه ولدا ليكون مبعث أمل لهما، ويكبر في أحضانهما، وأصرت على طلبها حتى أصابت سهامها، وحققت ما تصبو إليه.
غير أن الطفل جاع، وأراد لبنا، فأخذ يبكي ويذرف الدموع، فرقّ قلب امرأة فرعون لهذه الدّموع والبكاء واهتز، ولا محيص من أن يبحث الخدم عن مرضعة له، إلا أنهم كلما جاؤوه بمرضعة لم يقبل ثديها، لأن الله سبحانه كان قد قدر أن يعيده إلى أمه، فهبّ المأمورون للبحث من جديد، وكانوا يطرقون الأبواب بحثا عن مرضع جديدة.
والآن نقرأ بقية القصة على ضوء الآيات الشريفة:
نعم يا موسى، فإنا كنا قدّرنا أن تتربى بأعيننا إذ تمشي أختك بأمر أمك لتراقب مصيرك، فرأت جنود فرعون: فتقول هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ وربما أضافت بأن هذه المرأة لها لبن نظيف، وأنا مطمئنة بأن هذا الرضيع سيقبلها.
فاستبشر الجنود على أمل أن يجدوا ضالتهم عن هذا الطريق، فذهبوا معها، فأطلعت أخت موسى - والتي كانت تظهر نفسها بمظهر الشخص الغريب والمجهول - أمها على الأمر، فجاءت أمه إلى بلاط فرعون، من دون أن تفقد سيطرتها على أعصابها، بالرغم من أن أمواجًا من الحبّ والأمل كانت قد أحاطت بكل قلبها، واحتضنت الطفل، فلما شمّ الطفل رائحة أمه، وكانت رائحة مألوفة لديه، التقم ثديها كأنه تضمّن لذّة الرّوح وحلاوتها، واشتغل الطفل بشرب اللبن بلهفة وعشق شديدين، فانطلقت صرخات الفرح من الحاضرين، وبدت آثار الفرح والسرور على زوجة فرعون.
يقول البعض: إن فرعون تعجّب من هذه الحادثة، وقال: من أنت إذ قبل هذا الطفل لبنك في حين أنه رد جميع الأخريات؟ فقالت الأم: إني امرأة طيبة الريح واللبن، ولا يرفض لبني أي طفل!
على كل حال فقد أمرها فرعون بالاهتمام بالطفل، وأكدت زوجته كثيرا على حفظه وحراسته، وأمرت أن يعرض عليها الطفل بين فترة وأخرى.
هنا تحقق ما قاله القرآن: فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ ولتستطيع تربيته بدون خوف من جلاوزة فرعون. ويستفاد من هذه العبارة أن فرعون أودع الطفل أمه لتذهب به إلى بيتها، إلا أن من الطبيعي أن ابن عائلة فرعون! الذي تعلقت به امرأته وأحبته حبًا شديدًا، يجب أن يعرض عليها بين فترة وأخرى.
ومرت السنون والأعوام، وتربّى موسى (عليه السلام) وسط هالة من لطف الله ومحبته، وفي محيط آمن.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد