www.tasneem-lb.net

أخلاق

أخلاق - ها هو اليتيم بعين الله |51|

ثقافتنا
ها هو اليتيم بعين الله
|51|

أفاق عمرو بن نوفل على الضوضاء، والـدوار يأخذ برأسه، من سكر ليلة أمـسـه. فصرخ في غضب وهياج: جابر؟
 دخل الغرفة على عجل، خـادم عجوز، ضئيل الجسم والعود، وقال: طاب يومك، يا سيدي! هل من أوامر؟
 - ما هذه الضوضاء؟
 - أي ضوضاء، يا سيدي؟
 - الدف والزغردة والدبك؟ 
 - سيدي، الأصوات من دار ابنة أخيك، خديجة!
 - من دار خديجة! ِلم 
 - وكيف لا تدري، يا مولاي؟! ففي الأمس كان حفل زواجها.
- ها، ها، ها؟ زواجها؟ مع من؟
- مع الأمين، ابن عبد الله، ابن عبد المطلب.
- مع الأمين؟ هذا الفقير المسكين، كيف قامت خديجة بالأمر  من دون استئذاني، وأنا عمها الكبير، وسيد أهلها؟ 
- لا، يا سيدي، لم يكن ذلك منها، بلا إذن؛ فقد ذهب إليها أبـو طـالـب وأعـمـام الأمـيـن يخطبونها، فدلّتهم عليك، ثـم جــاؤوك، وأنت مع الندمان بين الزق والدنان. - حسنًا، حسنا! فصل الكلام؛ لأعرف ماذا حصل على غفلة مني في سويعات. 
أقبل الأمين بحلة زاكية، وقـد تطهر واغتسل، وتقلد مهندًا،  وركب جوادًا، معه أعمامه وعشرة رجال من قومه.
- نعم، نعم، بدأت أتذكر بعض ما تقوله.
- أجـل، يـا سـيـدي، جـاؤوك وأنـت على سكر ونـشـوة. 
فـسـررت بحضورهم، وأحسنت وفـادتـهـم. ثـم قـال أبـو طالب إنـه رغـب إليك لابــن أخـيـه رغـبـة. فـقـلـت فـي بـهـجـة: مـرحـبًا بـمـحـمـد.
قال أبو طالب: رغبنا ومحمدًا إليك في خديجة، ابنة أخيك. فـقـلـت عـلـى الـفـور أمــام مـن اجـتـمـع: يـا معشر اشــهــدوا عـلـيّ زوجـت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على الـصـداق الـذي تعينه هي وذلك بطلب من أبي طالب، فـقـام أبـو طـالـب بخطبة الـعـقـد، تولى فيها دفع صداق خديجة من ماله أو مال غيره. مهما بلغ الثمن ثم ألبسك محمد حلّةً مستنًّا بالسنة والعادة، فقبلتها برضا الخاطر. 
ثم أشار جابر إلى جانب من وسادة عمرو، حيث الكتان الأبيض بخطوط عريضة زرقاء، وقال: ها هي!
حملق عمرو في الحلة قليلًا، ثم طرحها جانب وهو يتميز من الغيظ فقال: قل لخديجة تأتني!
قال جابر: سمعًا وطاعة. ثم انطلق. 
«كانت دار خديجة على بعد دارين من بيت عمرو». تــرك عــمــرو الــفــراش وذهـــب إلــى الــفــنــاء لـيـغـسـل ويـسـتـعـيـد الطراوة، ريثما تأتي خديجة.
فـلـمـا فــرغ مـن الـغـسـل، دخـلـت خـديـجـة مـع جـابـر الـــدار، وقـد غطّت الرأس والوجه، وتلففت بشملة بيضاء.
- طاب يومك، يا عم! 
- ما هذا الذي صنعتِ يا خديجة؟
أظـل  فجأة عينيها الجذلى غطاء قاتم، فقالت بصوت راعش يشوبه حنق ما: وما هذا الذي صنعته يا عم، فلم تطب به  نفسًا؟
أجاب عمرو، متجهمًا: ما فعلته ِ بالأمس؟
- ألم تأذن لي، ألم تنطق أنت بلساني في خطبة العقد!
سكت عمرو هنيهة في سهوم، ثم مسح الوجه بطرف الجبة، وقال: كيف أتيت بهذا، وقد طلب يدك الأشراف الصيد؟
- يا عم، أتنكر نسب محمد ورفعة شأنه بين قريش؟
- لا، لكنه فقير!
- ولو..، فعندي من المال ما يكفيني وإياه. 
ما إن طـرق كلامها سمعه، حتى انطلق منه الجبين وانفتحت الأسـاريـر، فـقـال بنبرة هـادئـة، لا تشي بالغضب والـضـيـق: إن كنت راضـيـة بـالـزواج منه، فأنا أيـضـا راض. فـإن لـم أكـن زوجـتـك بالأمس، فقد زوجتك اليوم. 
يتبع..


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد